محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري
14
الاعمال الصوفية
ومن الواضح أن هناك فرقا بين ما يشير إليه آربري وما يدل عليه نص التلمساني . فإذ يجعل آربري التراتب المعرفي يسير في اتجاه متصاعد من العلم إلى المعرفة إلى الوقفة عند النفّريّ على المستوى المعرفي في اكتساب الخبرات الذوقية لدى المتصوف ، يشير نص التلمساني إلى تراتب من نوع آخر ، هو التراتب التدريجي في ترقي سلم الموجودات من الحياة إلى العلم إلى المعرفة إلى الوقفة . تبدأ الحياة بالبهائم التي هي أدنى مراتب الكائنات الحيّة ، ثم تتطوّر إلى الكائنات العالمة ، التي تبقى في مستوى أدنى من التطوّر ما دامت لم تحصل بعد على مرتبة المعرفة ، فالعلم هنا هو العلم النافع في تحصيل المعاش ، أي هو بعبارة أخرى ظاهر المعرفة . وما أن يكتسب العارف المعرفة بالباطن الذي هو روح الوقفة ، حتى يترقّى أكثر في سلّم التطوّر ، وصولا إلى الوقفة التي ترتقي به إلى مرتبة الحياة الملائكية . التقسيم لدى آربري تقسيم لدرجات المعرفة في كيفية اكتساب الخبرة الصوفية ، والتقسيم لدى التلمساني في درجات الترقي من مستوى الكائنات الحية البهيمية حتى الوصول إلى الروح الملائكية التي تصطف في أعلى مراتب الوجود القيمية . النفّريّ والكتابة ثمّة سؤال لا بدّ أنه ساور كلّ من عاشر نصوص النفّريّ . وهو لما ذا تبعثرت نصوص النفّريّ ، وخفيت كتاباته على معاصريه وأبناء جلدته من المتصوفة الذين عاشوا في بيئته وقاسموه أفكاره ؟ لقد لاحظ يوسف سامي اليوسف « أن القرن الرابع الهجري ، وهو القرن الذي عاش فيه النفّريّ ومات ، قد عرف أربعة من أشهر الكتاب الصوفيين : الكلاباذي صاحب « التعرف لمذهب أهل التصوف » ، وأبو طالب المكي صاحب « قوت القلوب » ، وأبو نصر السراج الطوسي صاحب « اللمع » ، وأبو عبد الرحمن السلمي صاحب « طبقات الصوفية » . ومما يدعو للدهشة أن اسم النفّريّ لم يرد قطّ في أي من هذه الكتب الأربعة . كما لم يذكره القشيري في الرسالة التي ألفها بعد وفاة النفّريّ بثمانين سنة على وجه التقريب ، مع أنه ذكر عشرات من الصوفيين الذين لم يتركوا أي تراث مكتوب على الإطلاق . والحقيقة أن النصف الأول من القرن الرابع الهجري لم يعرف أي صوفي كبير ، بعد الحلاج ، باستثناء النفّريّ وحده ، إذ أن الرجال الأربعة الذين ذكرتهم للتوقد ماتوا في النصف الثاني من القرن الرابع ، باستثناء السلمي الذي